أتاحت ثورة 25 يناير مجالا خصبا للحديث عن تطور نوعى فى الاعلام المصرى ليتواكب مع مفاهيم “الاعلام الديمقراطى الحر”، وخصوصا أن العصور والعهود المختلفة ضربت ستارا من القيود على الاعلام بمستويات مختلفة ومتنوعة، وظلت خلاله وسائل الاعلام المسموعة والمرئية والمقرؤه تحت جملة من القيود التى تسببت فى اهدار العديد من المفاهيم والجوانب والقواعد المهنية.

ورغم ذلك لا ينكر أحد الدور الذى لعبة قطاعات من الاعلام المصرى فى تنوير المجتمع قبل ثورة 25 يناير، وتزايد ذلك الدور بمعدلات متسارعة عقب الثورة رغم كل الضغوط التى واجهها جراء حالة المد والجذر والصراعات والتفاعلات بين اطراف عديدة فى المجتمع تركت كلها بصماتها على الاعلام الذى، انحاز بعضه هنا وبعضه هناك، وتحولت وسائل الاعلام مثل غيرها من ادوات فى المجتمع الى جزء من الصراع السياسى والتأثر سلبا وايجابيا بحالة المجتمع والتأثير أيضا فيه.

وليس بخافيا أن القيود المفروضة على الاعلام تتجاوز التشريعات والعقوبات المنصوص عليها والجرائم المحدده بالقوانين الى نظم الملكية ذاتها، وتمتد الى تشابك المصالح وتداخل المسئوليات بين المالك من جهه وبين المحررين من جهه أخري، وتصل أحيانا الى العلاقة مع المتلقى فى صورة المعلومات المطلوب اتاحتها له ، وقدره الاعلام على تلبية ذلك فى مناخ لا يكتفى بتشريعات متخلفه تعرقل و تعيق  سير المعلومات وتلقيها واتاحتها للناس ، وانما أيضا بمناخ وادارة معادية لفكرة المعلومات ذاتها وتعتبر أن أنتاج المعلومات وإتاحتها وتداولها  يمثل خطرا على المجتمع وعلاقته الاجتماعية ونسيجة، وناهيك عن الوصول لنقطة أبعد تتعلق بما يطلق عليه الأمن القومى دون تحديد واضح للمعنى وحدودة حتى لايتحول ذلك المعني الى قيد فعلى.

من كل هذه العناصر جاءت فكرة برنامج “الاعلام الديمقراطى الحر” وفقا لمنهجية محددة ورؤية مختلفة عن الواقع الحاصل فعليا، وهى رؤية تخرج عن الاطارات التقليدية لتطوير الاعلام، وبمعنى أدق تطرح تصورا من خارح الصندوق النمطى الذى يتحدث عن تعديلات تشريعية جزئية أو  بناء مؤسسى مختلف.

منهجية برنامج “الاعلام الديمقراطى الحر” تتعامل مع اخطاء وسائل الاعلام بمفهوم المخالفة وليس الجريمة، وهى بذلك تتعامل بمنطق التصحيح والتصويب وليس العقوبة الجنائية، ولن يتحقق ذلك المفهوم إلا بتطبيق مبدأ “المحاسبة الذاتية” من خلال مؤسسات تعكس الابنية الاعلامية المتنوعة ، و تجعل المجتمع شريك اساسى فى المتابعة والتقييم والمراجعة، وهى المؤسسات الكفيلة بإدارة وتنفيذ مفهوم “المحاسبة الذاتية” فى مختلف وسائل الاعلام، كما أنها تعكس – المؤسسات – كل عناصر المهنة بما يتيح لها القدرة والنفوذ على تحقيق الهدف بالحفاظ على الاعلام من تغول السلطة التنفيذية عليها.

والمؤكد أرتباط كل ماسبق بمفهوم حماية الجانب المهنى من نفوذ ومصالح الملاك، كون الحقيقة الثابته فى هذا الصدد هو خضوع كل وسائل الاعلام لمصالح مالكيها سواء كانت ملكية خاصة أو حكومية، وهو مايقتضى الحديث عن نوع جديد من العلاقة بين المالك والإعلامي تضمن لكل طرف حقوقه وتستهدف بالاساس توفير البيئة الملائمة لتلقى المواطن للمعلومات بصورة مأمونة وصحيحة.

منهجية برنامج “الاعلام الديمقراطى الحر” تقوم على إعادة صياغة المفاهيم و البيئة الحاضنة لوسائل الاعلام، بتحويلها الى ثقافة حديثة تقوم على “الانضباط والمحاسبة الذاتية” بمشاركة مجتمعيه وفقا لميثاق شرف مهنى محدد يقابلة التزام من الدولة بتشريعات تتعامل مع المعلومات بمفهوم الاتاحة وانها حق للناس فى تلقيها وتداولها ونقلها للغير، مقابل التزام مهنى بقواعد محددة يعد الخروج عليها مخالفة للمجتمع يستوجب المحاسبة والمساءلة الذاتية عبر آليات محددة يقوم عليها البناء الاعلامى بالمشاركة المحتمعية.

من هنا جاءت عناوين الادلة التدريبية للبرنامج فى اطار متكامل وهى ” الاعلام والتسامح التزام اخلاقى وقانونى، أخلاقيات الاعلام القيم… التنظيم…القانون، الاعلام الديمقراطى الحر حرية تداول المعلومات وأدارة وملكية القنوات الاعلامية الواقع المفترض والتجارب الدولية “، هي ادلة تدريبية  تعكس الرؤية فى التواصل والتكامل بين عناصر البرنامج سواء من ناحية التدريب والتأهيل وفقا لمبادئ تصل بالمتدرب الى قواعد تحقق هذه المنهجية، وتنتهى الى مقترحات تشريعية ومهنية تتيح تطبيق كافة الاطراف التزاماتها وواجباتها المهنية.

ان واقع الاعلام المصرى يحتاج الى رؤى كثيرة ومغايرة للواقع القائم، وتحتاج شجاعة من الطامحين للتغيير وتضافر الجهود من أجل مواجهة المعلومات والعقبات وهى كثيرة بعضها ناتج عن جمود ثقافي لعهود وحقب طويلة، وبعضها ناتج عن عدم اقتناع وثقة بدور الاعلام فى بناء المجتمعات الديمقراطية الحرة ، و بعضها مرتبط بتجارب مهنية سلبية في عهود سابقة   .

وفقا لكل هذه الأسس جاء برنامج “الاعلام الديمقراطى الحر” فى محاولة للاسهام فى خطوات وعمليات التطوير المنشود للاعلام المصرى بالتعاون مع كافة المشروعات المطروحة والبناء على كل ماسبق…

ومشروع برنامج ” الاعلام الديمقراطي الحر ” حاصل علي موافقة الحكومة المصرية بقرار وزارة التضامن الاجتماعي بتاريخ 30/6/2013  في اطار التعاون بين المفوضية الاوربية والمجتمع المدني المصري وفقا للتعاون بين الدولة المصرية والاتحاد الاوروبي

وتتقدم المؤسسة بالتقدير لاعضاء المفوضية بالقاهرة والعاملين فيها علي الجهود التي بذلوها لاخراج هذا المشروع الذي يهدف للمساهمة في تطوير البئية القانونية والمهنية للاعلام المصري